الشيخ محمد رشيد رضا

401

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

20 كسر بكسر وعين بعين وسن بسن ، كما أحدث عيبا في الانسان كذلك يحدث فيه ) فصرح بعموم القصاص بالمثل فدخل فيه الأذن والأنف . واما العفو فلا أذكر له نقلا عن التوراة ، وانما جاء في وعظ المسيح على الجبل من إنجيل متي انه ذكر مسألة العين بالعين والسن بالسن ، ووصى بأن لا يقاوم الشر بالشر ، وهو امر بالعفو ، ولكن الذين يدعون اتباعه في هذا العصر هم أشد أهل الأرض انتقاما ومقاومة للشر بأضعافه الا قليلا من الافراد ، الذين اخفاهم الزمان في زوايا بعض البلاد . * * * وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ أي وبعثنا عيسى بن مريم بعد أولئك النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة متبعا أثرهم جاريا على سننهم ، مصدقا للتوراة التي تقدمته بقوله وعمله أو بحاله . ولفظ قفّى مأخوذ من القفا وهو مؤخر العنق . يقال : قفاه وقفا إثره يقفوه واقتفاه ، إذا اتبعه وسار وراءه حسا أو معنى . وقفاه به تقفية جعله يقفوه أو يقفو أثره ، قال تعالى ( وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) قال في الأساس : وقفيته وقفيته به وقفيت به على أثره إذا أتبعته إياه ، وهو قفية آبائه وقفيّ أشياخه ، تلوهم اه اي يتلوهم ويسير على طريقتهم . وعيسى عليه السّلام من أنبياء بني إسرائيل وشريعته هي التوراة ، ولكن النصارى نسخوها وتركوا العمل بها اتباعا لبولس . على أنهم ينقلون عنه في اناجيلهم انه ما جاء لينقض الناموس ( اي شريعة التوراة ) وانما جاء ليتمم ، اي ليزيد عليها ما شاء اللّه أن يزيد من الاحكام والآداب والمواعظ الروحية . ولذلك قال تعالى وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ اي أعطيناه الإنجيل مشتملا على هدى من الضلال في العقائد والاعمال كالتوحيد النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل ، ونور يبصر به طالب الحق طريقه الموصل اليه من الدلائل والأمثال ، والفضائل والآداب ، ومصدقا للتوراة التي تقدمته ، أي مشتملا على النص بتصديق التوراة ، وهذا غير تصديق المسيح لها بقوله وعمله أو حاله . وصفه بمثل ما وصف به التوراة ، وبكونه مصدقا لها . ثم زاد في وصفه عطفا على تلك الأحوال ( تفسير القرآن ) ( 51 ) ( الجزء السادس )